مجموعة مؤلفين

250

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

يعني أن من نظر إلى الكون ولم يشهد الحق تعالى ببصيرته فيه أو عنده أو معه كما هو حال أهل التوسط الذين يرون اللّه في الأشياء أو عندها أو معها ويقولون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه فيه أو عنده أو معه أو يشهده قبله كما هو حال أهل الشهود والعيان الذين يرون الأشياء باللّه ويقولون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله أو يشهده بعده كما

--> - يا أبا الحسن حدّد بصر الإيمان تجد اللّه في كل شيء وعند كل شيء ومع كل شيء وقبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء وتحت كل شيء وقريبا من كل شيء ومحيطا بكل شيء بقرب هو وصفه وبحيطة هي نعته ، وعد عن الظرفية والحدود وعن الأماكن والجهات ، وعن الصحبة والقرب بالمسافات ، وعن الدور بالمخلوقات ، وامحق الكل بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن وهو هو هو ، كان اللّه ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان انتهى . وقال بعضهم : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه فيه ، ولم أره حديثا وإنما هو من قول بعض العارفين فأهل السير من المريدين يشهدون الكون ، ثم يشهدون المكون عنده وبأثره فيمتحق الكون من نظرهم بمجرد نظرهم إليه ، وهذا حال المستشرفين وأهل مقام الفناء يشهدون الحق قبل شهود الخلق ، بمعنى أنهم لا يرون الخلق أصلا إذ لا ثبوت له عندهم لأنهم لسكرتهم غائبون عن الواسطة فانون عن الحكمة غرقي في بحر الأنوار مطموس عليهم الآثار . وفي هذا المقام قال بعضهم : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ، وأهل الحجاب من أهل الدليل والبرهان ، إنما يشهدون الكون ، ولا يشهدون المكون لا قبله ولا بعده ، إنما يستدلون على وجوده بوجود الكون ، وهذا لعامة المسلمين من أهل اليمين قد أعوزهم ، أي فاتهم وجود الأنوار ومنعوا منها وحجبت عنهم شموس المعارف بسحب الآثار بعد طلوعها وإشراق نورها لكن ، لابد للشمس من سحاب وللحسناء من نقاب .